نيكولو ميكافيلي

10 د
حسناً، أنت اخترت الآن أن تتولى حكم دولة ما، أتمنى أن تكون بكامل قواك العقلية، حيث إنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق؛ فأنت سوف تتعامل مع أرض وشعب ورجال دولتك ورجال الدول الأخرى التي تنافسك في المنطقة، والأمر يحتم عليك أن تعرف كيفية تقيم الأوضاع في كل ذلك، مع قدر من الحنكة والذكاء والدهاء. لذلك، سنتحدث هنا عن مجموعة كتب تعلمك فن الدهاء والسيطرة على الشعوب بحرفية.
في البداية، لا أنصحك بأن تكون حاكماً ديكتاتورياً ولكن فن الدهاء في القيادة يستلزم معرفة بعض الأمور بما يدور حولك في العالم من دهاء الحكام وكيفية سيطرتهم على الدول والشعوب. فأنت كحاكم جديد قليل الخبرة يلزمك بعض المعرفة؛ لتكون مكاراً مثل ذئاب الحكام المخضرمين في أمور السلطة.
اقرأ أيضًا:
كتاب الأمير الذي نحن بصدده الآن هو الكتاب الأكثر شهرة وتأثيراً -تحديداً- بين الأوساط القيادية والحكام. أكاد أجزم أن لا أحد ذو منصب قيادي لم يقرأه؛ بداية من هتلر وستالين حتى فلاديمير لينين وموسيليني الذي قام بعمل رسالة الدكتوراه في ذاك الكتاب، ولعلك ستفهم في السطور المقبلة لماذا ذكرت هؤلاء بالتحديد.
في البداية نيكولا ميكافيلي هو شخص براغماتي (واقعي) فلا تنتظر أن أخبرك بأن الكتاب يضم بعضاً من المفاهيم الأخلاقية تتبعها لتكون قائداً مثالياً، فهذا بعيد تماماً عن الواقع السياسي والعالم الذي نعيش فيه. ولكن ما الذي يحويه ذاك الكتاب ليكون مرجعاً أساسياً للقادة وكيف يمكنك الاستفادة منه كقائد؟
أولاً: الفكرة العامة التي يجب أن تكون في ذهن أي قائد هي (الغاية تبرر الوسيلة). وإليك أهم القواعد التي ما زالت تستخدم حتى الآن في فن السيطرة والحكم والتي تستطيع أن تستفيد منها نسبياً.
لا يكون انطباعك ساذجاً عن القاعدة الأولى ولكن هي فقط تلأم بعض المواقف خلف الكواليس، أما أمام الناس – وهنا ننتقل للقاعدة الثانية.
سون تزو، واحد من أشهر وأعظم القادة العسكريين في الصين والتاريخ العسكري، وقد ذاع صيته في المجال الحربي، وقام بكتابة عدة مقالات ونشرها في ذلك كتاب فن الحرب، والذي يُصنف ككتاب تراثي في الأساس ضمن مجموعة من الكتب العسكرية الهامة القديمة ولا أعتقد بأن هناك قائد حربي لم يقرأ ذاك الكتاب. لن أسهب أكثر من ذلك -في العادة أسهب- فدعني أستعرض لك الآن بعضاً مما ينفعك من هذا الكتاب أيها الحاكم الجديد.
الحرب خدعة والفن هو أن تعلم أنك ستكسب قبل أن تخوض المعركة.. فكيف يتم ذلك؟
يمكنك تطبيق تلك النقاط الستة على أي عمل قيادي وليس فقط الحرب. والكتاب يضم بعض الأفكار الأخرى التي بالتأكيد ستساعدك على خلق رؤية قيادية قوية.
كيف يمكنك أن تحكم شعباً دون إخضاع الإعلام وحشد الرأي العام لصالحك؟ أهلاً بك في القرن العشرين -فترة كتابة الكتاب- حيث يعد التلاعب بعقول الرأي العام والتركيز على شحن أفكار معينة لخدمة جهة أو نظام معين، مسألة أساسية لدي أي نظام. معنا الآن كتاب المتلاعبون بالعقول، والذي يضم السياسة الإعلامية الأمريكية وتحكمها في وسائل الإعلام وتوجيهها حسبما تريد.
أعلم أنك رئيساً حديثاً ولعلك تتساءل الآن (هذا الكتاب يقدم سياسات أمريكا ما دخلي في ذلك).. عزيزي، منهجية التلاعب بالعقول تطبق في جميع الدول، مع وجود فوارق بسيطة تناسب فقط الوضع الاجتماعي للدولة.
كتاب المتلاعبون بالعقول يقدم بعض الطرق حول سياسات الدول -أمريكا خاصة- والتي يمكنك الاستفادة منها في قيادتك الدكتاتورية منها عدة أشياء ككيفية السيطرة على كافة المعلومات لديك، والتلاعب بها. ومِن ثَمَّ ما يمكن تقديمه لشعبك منها وإخفاء ما سيضرك في المستقبل.
ومن خلال تلميع صورة بعض المؤسسات التجارية العملاقة لخدمة نظامك الرأسمالي. فمثلاً: يمكنك تسليط الضوء على هاتف معين أو علامة تجارية معينة، فيهرع الناس للشراء. وتستطيع فيما بعد عمل صفقات بينك وبينها تقدر بالملايين، ولكن احذر أن تنفلت منك زمام الأمور وتصبح دمية في أيدي أصحاب المال.
استخدام وسائل استطلاع الرأي كوسيلة للإقناع وحصر الإجابات، فمثلاً إن كان هناك انتخابات رئاسية يمكنك إجراء بعض الاستطلاعات حول شخصين فقط وتقوم بتركيز الآراء حولهما وتجميعها، فينخدع الناس ويتركون باقي المرشحين ويركزون مع مرشح واحد فقط من الاثنين.
في النهاية الأمور الأخرى التي يتناولها الكتاب بشكل مفصل قد تعطيك مساحة أفضل حول كيف يسير العالم من وراء الكواليس، وأعتقد بأنك ستكون محظوظاً الآن إن توليت الحكم في القرن الواحد والعشرين وحروب الجيل الخامس المنتشرة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام؛ فأصبح التلاعب بالعقول أسهل ما يمكن.
اقرأ أيضًا:
الجماهير والتلاعب بعقولهم وقيادتهم نحو أهداف معينة، يحتاج لدراسة عميقة لفهم خصائص وآليات التحكم في مجموعات الناس تحت أي ظرف. فلم أجد أفضل من ذاك الكتاب الذي يغطي الجانب النفسي لدى الجمهور وكيفية التحكم بهم بناءً على خصائصهم.
كتاب سيكولوجية الجماهير الذي كتبه جوستاف لوبون الطبيب الفرنسي ومؤسس علم النفس الاجتماعي، قدم لنا أحد أهم الكتب التي كتبت في أواخر القرن الـ 19 لفهم الجماهير. وإليك بعض النقاط الهامة التي تساعدك على التحكم وحشد الجماهير من خلال رؤية الكتاب.
أولاً خصائص الجمهور والتي تتمثل في: تلاشي الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية (العاطفية)، وتوجه الجميع نحو أفكار مشتركة تتحقق بواسطة التحريض والفعل المباشر. إذاً كيف يمكنك التحكم فعلياً في جمهورك؟
أنت الآن حاكم محنك فقد قرأت الكتب التي ذكرناها وتعلمت بعض الحيل، ولكن دعني أزيدك من القصيدة بيتاً آخر لفهم مجتمعك. أقدم لك كتاب تمرد الجماهير، حيث يحكي الفيلسوف خوسه تمرد الجماهير في واحدة من أهم أحداث القرن العشرين وهي وصول أفراد من الشعوب والجماهير إلى كرسي العرش، ذلك الكتاب بشكلٍ خاص سيزيدك من الفهم درجة أعمق نحو الجماهير.
الشخص النمطي محدود المعرفة الذي لا يمتلك آراءً حول الأشياء وماهيتها، تسوقه المعتقدات والعادات، ولديه آراء عنيفة تجاه كل شيء، ويكتفي بقشور الأشياء ولا يرغب في فهم العالم حتى من حوله.. هذا ما ينقله لنا الفيلسوف الإسباني حول تلك الفئة من الجماهير وفهم سيكولوجيتها. تلك الفئة التي يتحدث عنها وكيفية تأثيرها في الواقع الأوروبي في بدايات القرن العشرين، تملأ مجتمعاتنا الهشة ثقافياً اليوم؛ لذلك يتحتم علينا أن نضمه لقائمة الترشيحات لكي تفهم سيكولوجية هؤلاء.
في البداية يستعرض خوسه الفروقات بين الأشخاص/الجماهير، ليست غرضه منها العنصرية ولكن فقط لفهم الأمور بشكل مبسط. فهو يقسم الجماهير لنوعين: نوع مؤهل لخوض التحديات الحقيقية والسمو وهم الأقليات، ونوع متخاذل ليس مؤهلاً لفعل شيء.
ذلك الأخير يمثل نمطية الأغلبية من الجماهير التي لا تعرف قوانين، فليس لديها قواعد ترتكز عليها حتى في النقاشات، حتى بعض الركائز لديها مخلخلة ولا تعرف عنها سواء ما يتناقل، فضلاً عن أنها لا تفكر، تقودها رغبتها دوماً دون التفكير في كيف تم التوصل للإنجازات الكبرى، هي فقط تستفيد من المكاسب الحضارية وتجهل خصائصها ولا تتضامن حتى مع العلم.
يرى الكاتب بأن تلك المجموعات حلت محل الأقليات وأصبحت تشغل مناصب عديدة في أمريكا، فانحدرت بعض الرؤى لدى المجتمع، كمفهوم الديموقراطية الذي أصبح عباءة متخفية وراء كل ما يظهر عدم الاحترام. كل هذا وأكثر يحيله الكاتب كنتائج صعود الفاشستية التي عرفتها المجتمعات الأوروبية لاحقاً.
اختتمت القائمة بكتاب كفاحي الشهير لأدولف هتلر لسببين، الأول هو لأنني شعرت أن ذاك الكتاب يمكن أن أعتبره ملخصاً للكتب السابقة في قراءة شخصية هتلر بين السطور. أما الثاني هو رؤيتك أنت كحاكم لحاكم آخر كانت طموحاته السيطرة على العالم وهو في ألمانيا، فتقرأ ما لديه من أفكار استطاعت أن تستمر حتى وقتنا هذا، على الرغم من أنه كان مسؤولاً عن قتل أكثر من 40 مليون شخص ولكن ذلك الرجل كان في خطاباته الأكثر تأثيراً في نفوس جنوده وشعبه بين الحكام.
ما يهمك أنت كحاكم في هذا الكتاب هي الفصول الأخيرة منه، والتي تتحدث بداية من الحرب العالمية الأولى التي شارك بها، ويحكي الأخطاء التي حدثت في صفوف الألمانية وأثرت على الجبهة ونتيجة الحرب التي أثرت على ألمانيا. ويروي أيضاً كيفية الدعايا لخوض الحرب وهي عن طريق مخاطبة قلوب الناس لا عقولهم، ولفت الشعب لأحداث معينه قوية ومؤثرة، ذلك الأسلوب الذي اتبعه هتلر في خطاباته.
أما عن أكثر الأمور تأثيراً لدى هتلر في شعبه وجيشه هو التأثير العرقي والتي يناقشها بوضوح في الفصل العاشر، فقط أنظر كيف كان يخدر ذاك الرجل شعبه ويعظم فيه. ولم يكتفِ هتلر بذلك فذكر كيفية قيام الدولة وشكل الحكم وموقف الدولة من المؤسسات الأخرى كالكنيسة والجيش وكلها تصب في بناء فرد نقي الدم من جديد. ولعلك كحاكم اليوم -خصوصاً لو دولة عربية- من السهل أن تلعب على العقيدة والدين لدى شعبك وشحنهم من ذاك الجانب حتى لو تطلب الأمر القتال، وهذا ما كان يفعله هتلر حتى في شعار النازية استخدم الصليب المعقوف.
الكتاب جيد لاستخلاص العديد من الأمور الأخرى في حياة هتلر التي قد تثري دهاءك في الحكم.
وفي النهاية.. اختر كتابًا أو أكثر من تلك المقالات:
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.